جدول المحتويات
متى تبدأ الصحة؟ المرض يأخذ الضوء كله عندما يصبح اختفاء العرض هو خط النهاية هل المشكلة في العلاج إذن؟ سؤالان بدل سؤال واحد من المرض إلى الإنسان قبل أن تغادر

لماذا لا نُشفى؟ (1) — هل نفهم الصحة والمرض كما ينبغي؟

متى كانت آخر مرة شعرت فيها أنك بصحة جيدة؟

لا أقصد آخر مرة لم تكن فيها مريضًا، بل آخر مرة توقفت فيها فعلًا وقلت: الحمد لله، أنا بصحة جيدة.

هل تتذكر؟

أم أنك، مثل كثيرين منا، لا تتذكر صحتك إلا عندما يذكّرك بها ألم، أو عرض، أو نتيجة تحليل غير طبيعية؟

الغريب أننا نعيش مع صحتنا كل يوم، لكننا كثيرًا ما لا ننتبه إليها إلا حين يطرق المرض الباب.

ما دام لا شيء يؤلمنا، فنحن «بخير».

فإذا ظهر عرض، بدأ اهتمامنا بالصحة فجأة: ما هذا؟ لماذا حدث؟ هل أنا مريض؟ إلى أي طبيب أذهب؟ وما العلاج؟

ثم نذهب إلى الطبيب، ونجري الفحوص، ونتناول العلاج، ونراقب الأعراض.

فإذا اختفى العرض، هدأ القلق، وأغلقنا الملف، وعادت الصحة مرة أخرى إلى ذلك المكان الذي لا نلتفت إليه.

وكأننا لا نرى الصحة وهي معنا، ولا ننتبه إليها إلا حين نفقد شيئًا منها.

متى تبدأ الصحة؟

ربما تكشف إجابتنا عن السؤال السابق شيئًا مهمًا في الطريقة التي نفهم بها الصحة والمرض.

فنحن نتعامل مع الصحة أحيانًا كما لو كانت الحالة الافتراضية التي لا تحتاج إلى اهتمام، ومع المرض كما لو كان اللحظة التي تبدأ عندها علاقتنا الحقيقية بأجسادنا.

قبل المرض نعيش.

وعند المرض نهتم بالصحة.

وبعده نعود إلى الحياة.

لكن هل ينبغي أن تكون العلاقة بين الصحة والمرض بهذه الصورة؟

المشكلة ليست في الذهاب إلى الطبيب عند ظهور الأعراض، ولا في البحث عن التشخيص، ولا في تناول العلاج المناسب. كل ذلك قد يكون ضروريًا.

المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه الأشياء هي كل ما نعنيه بالصحة.

فإذا اختزلنا الصحة في غياب المرض، فمن الطبيعي ألا نفكر فيها إلا عندما يظهر المرض.

وإذا اختزلنا المرض في الأعراض، فمن الطبيعي أن يصبح اختفاء الأعراض هو المقياس الوحيد للتحسن.

وإذا اختزلنا العلاج في وسيلة تزيل هذه الأعراض، فمن الطبيعي أن نعتبر الرحلة قد انتهت بمجرد زوالها.

وهكذا قد لا تكون المشكلة في الخطوات نفسها، بل في الخريطة التي نستخدمها لفهم الرحلة كلها.

المرض يأخذ الضوء كله

للمرض قدرة غريبة على احتلال المشهد.

بمجرد أن يظهر، تصبح له أسماء وأرقام ومواعيد وتحاليل وأدوية.

نراقب درجة الحرارة، وضغط الدم، ونسبة السكر، ونتائج الفحوص، ومواعيد الجرعات.

وهذا كله مهم.

لكن بينما نراقب المرض، قد ننسى سؤالًا آخر:

ماذا يحدث للإنسان الذي يحمل هذا المرض؟

هل ينام كما كان؟

هل يستطيع الحركة والعمل وأداء أدواره؟

هل استعاد طاقته؟

هل أصبح خائفًا من عودة المرض؟

هل تغيرت علاقته بجسده؟

هل عاد إلى حياته، أم انتهى العلاج بينما بقي هو واقفًا في مكان ما خلفه؟

هنا يبدأ الفرق بين أن نجعل المرض محور الرحلة، وأن نجعل الإنسان وصحته محورها.

قد ننجح في علاج المرض، بينما تظل أمام الإنسان مسافة أخرى ليستعيد صحته وحياته.

عندما يصبح اختفاء العرض هو خط النهاية

تخيل كم مرة استخدمنا هذه الجملة:

«الحمد لله، الألم اختفى.»

وهذا بالطبع خبر جيد.

لكن المشكلة ليست في الفرح باختفاء الألم، وإنما في افتراض أن كل ما ينبغي أن نسأل عنه قد انتهى هنا.

فالعرض مهم، لكنه ليس دائمًا القصة كلها.

انتهى من جرعات العلاج، وعادت نتائج التحاليل طبيعية، وقال له الطبيب: أنت بخير. لكنه ما زال يستيقظ متعبًا، ويتجنب صعود الدرج، ويتحسس جسده كلما شعر بوخزة.

انتهى المرض على الورق، لكن الإنسان لم يعد إلى حياته بعد.

قد يختفي الألم، ولا تعود القدرة على أداء الأنشطة كما كانت.

وقد تتحسن نتيجة التحليل، ويبقى الإرهاق.

وقد ينتهي العلاج، ويبقى الخوف.

وقد يسيطر الإنسان على مرض مزمن ويعيش حياة جيدة، رغم أن اسم المرض لم يُمحَ من ملفه الطبي.

وهنا يصبح تقسيم العالم إلى خانتين فقط، صحيح أو مريض، أضيق من الواقع الذي نعيشه.

وكذلك خانتا: مريض أو شُفي، قد لا تصفان الرحلة كلها.

هل المشكلة في العلاج إذن؟

لا.

وهذه نقطة مهمة.

الحديث عن اتساع مفهوم الصحة والشفاء لا يقلل من أهمية التشخيص أو الطبيب أو الدواء أو أي علاج ثبتت فائدته.

المشكلة ليست أن نعالج المرض.

المشكلة أن نتوقف عنده.

أن يصبح هدفنا الوحيد إسكات العرض بدل أن نفهم ما وراءه.

أو أن يصبح نجاح العلاج مساويًا تلقائيًا لاستعادة الصحة كاملة.

أو أن ننتظر المرض حتى نبدأ التفكير في صحتنا أصلًا.

وهنا قد نجد إجابة أولى عن سؤال هذه السلسلة:

لماذا لا نُشفى؟

أحيانًا لأننا بدأنا الرحلة بتعريف ضيق لما نبحث عنه، ثم قسنا النهاية بالمقياس نفسه.

سؤالان بدل سؤال واحد

اعتدنا أن نسأل عندما نمرض:

كيف أتخلص من هذا المرض؟

وهو سؤال مشروع ومهم.

لكن ربما نحتاج إلى سؤال آخر بجواره:

كيف أستعيد أكبر قدر ممكن من صحتي وحياتي؟

السؤال الأول ينظر إلى ما نريد التخلص منه.

والثاني ينظر أيضًا إلى ما نريد استعادته وبناءه.

وهذا الفارق الصغير في الكلمات قد يغيّر أشياء كثيرة في الطريقة التي نفكر بها في الوقاية والعلاج والتعافي والحياة مع الأمراض المزمنة.

فالشفاء ليس دائمًا لحظة يعلن فيها الطبيب انتهاء المرض.

الصحة لا تبدأ عند ظهور المرض، والشفاء لا ينتهي دائمًا عند اختفائه.

من المرض إلى الإنسان

ربما نحتاج إذن إلى تغيير نقطة البداية، وإلى خريطة أوسع.

فالصحة ليست جسدًا خاليًا من الأعراض فحسب. هي أيضًا:

• جسد يؤدي وظائفه، وينام، ويتحرك، ويملك طاقته.
• نفس أكثر اتزانًا، تستطيع التعامل مع الخوف والقلق وضغوط الحياة.
• علاقات تسند الإنسان، ودور يؤديه في أسرته وعمله ومجتمعه.
• روح تجد معنى وسكينة، حتى في أوقات الألم.

وليس هذا مجرد توسيع فلسفي للكلمة؛ فمنذ دستور منظمة الصحة العالمية الذي دخل حيز النفاذ عام 1948، قُدِّمت الصحة بمفهوم يتجاوز مجرد غياب المرض أو العجز، ليشمل السلامة البدنية والعقلية والاجتماعية.

ومع ذلك، ما زال كثير من سلوكنا اليومي يتعامل مع الصحة بالمفهوم الأضيق: غياب المرض.

وحين تتسع الخريطة، تتغير نقطة البداية.

فبدل أن تكون علاقتنا بالصحة رد فعل على المرض، تصبح شيئًا ننتبه إليه قبل المرض وأثناءه وبعده. وبدل أن نسأل فقط: «ما اسم المرض؟»، نتذكر أن هناك إنسانًا وراء الاسم.

هذا لا يجعلنا أقل اهتمامًا بالمرض، بل أكثر اهتمامًا بمن أصابه المرض.

ولهذا فإن تغيير مفهوم الصحة والمرض ليس نقاشًا نظريًا أو اختلافًا حول تعريف الكلمات.

فالتعريف الذي نحمله في أذهاننا يحدد متى نهتم، وماذا نراقب، وما الذي نطلبه من العلاج، ومتى نقول إن العلاج نجح، ومتى نعتقد أن الرحلة انتهت.

وربما نكتشف عندها أننا كنا نبحث طوال الوقت عن نهاية المرض، بينما ما نريده في الحقيقة أوسع من ذلك:

أن نستعيد الصحة والحياة.

قبل أن تغادر

لا تحاول أن تضع تعريفًا مثاليًا للصحة. راقب نفسك فقط.

خلال الأيام القادمة، لاحظ: متى تتذكر صحتك؟

هل عندما يؤلمك شيء فقط؟
هل عندما ترى نتيجة تحليل؟
هل عندما يمرض شخص قريب منك؟
أم أن للصحة مكانًا في حياتك حتى عندما لا يوجد مرض يطالبك بالانتباه؟

ثم اسأل نفسك سؤالًا آخر:

إذا انتهى المرض غدًا، فما الذي سأعتبره دليلًا على أنني شُفيت؟

قد تكون إجابتك أهم مما تبدو؛ لأنها ستكشف لك ما الذي تعنيه كلمة «الشفاء» في ذهنك.

وفي التدوينة القادمة من سلسلة «لماذا لا نُشفى؟» سننتقل من مفهوم الصحة والمرض إلى سؤال آخر لا يقل أهمية:

هل نضع العلاج الدوائي وغير الدوائي في مكانه الصحيح؟

تنبيه: هذه السلسلة تهدف إلى مراجعة المفاهيم الصحية وزيادة الوعي، ولا تغني عن استشارة الطبيب أو مقدم الرعاية الصحية المؤهل.

التعليقات